في معتقلي الصحي " غرفة العناية القلبية المشددة"
لم يكن إلى جانبي سوى المرحوم والدي، والمرحومة والدتي،
اليوم لم يزرني احد من الأصدقاء، والمعارف في المشفى
فاخترعت زوارا من بنات أفكاري وجيرانهم ،
الذين وهبوني وقتهم ،وعواطفهم وأمنياتهم،
وسهرت معهم حتى مطلع الفجر .
الممرضات حولي كما كن حول هارون الرشيد محظياته ،
ولكني لا املك ما أمنحهم سوى الابتسامة ،
الأماني نامت ، والأحلام غفت ، ورسول الفرح كان سرابا .
لم أختر أن اسجن نفسي في مملكة الألم،
ولكن جلاد المرض حكم علي بذلك،
عشت غريبا ويبدو إني سأموت غريبا.
عشقت الانتظار…
فحياتي كانت كلها محطات انتظار لقطار أحلام غير خط سيره المعتاد،
وهاهو الانتظار يصادقني اليوم،
فانتظر
على الموقف هنا ،
موعدي مع الموت،
انتظرته وفتحت له ذراعي مرحبا،
ولكنه اعتاد الغدر !
لم يأتي إلي في ذاك المساء ،
واختار بدلا مني - انا من تحداه وفتح ذراعيه لاستقباله-
رجلا كان يقبع بجواري ،
وأخذه معه في رحلته المسائية ،
وتركني انتظر في الغرفة مع أموات يقاسمونني الهواء ،
وبقايا أحياء يقاسمونني الأمنيات والآمال .
ربما لو خيرني لاخترت الرحيل الأبدي.
من هذه الأرض الموبوءة
بجراثيم المال، وفيروسات الغرائز،
لذهبت معه راضيا مرضيا ،
داخلا جنات موعودة..
وبعد أن ودعت أحلامي وأقلامي،
لم يكن بإمكاني التقدم في المستقبل ورؤية الآتي،
فقررت العودة بسنواتي إلى الوراء ،
وبدلا من هجرتي إلى مملكة الصمت،
هاجرت إلى مملكة الأشباح والذكريات .
فاجتررت ذكريات أهلي
هم من علمني
الصدق في زمن الكذب.
الوفاء في زمن الخداع.
الخير في زمن الشر.
الحنان في زمن القسوة.
الرحمة في زمن الظلم.
قلت لهم : سامحكم الله فقد ولى زمن الأنبياء .
واجتررت ذكريات أصدقائي
كانوا دائما يلومونني على طيبتي .
ويخبروني بان الحياة معركة .
وان الدنيا غابة بشرية .
ومن لم يكن ذئبا أكلته الذئاب.
قلت لهم : الحمدلله عشت حياتي بكل أبعادها .
الطهر والبراءة والمحبة والتسامح والأمانة والصدق كانوا زملائي .
والندم لم يعرف يوما طريقا إلي روحي .
كرهت أكل لحم أخي ميتا .
واجتررت ذكريات من اختاروني لأكون عدوا له .
الحاسدون حاولوا نثر الأتربة السوداء على ثوبي الأبيض،
ولكني وعلى الدوام كنت دائما
من يتقبل الإساءة دون أحقاد .
ويكظم جبالا من الغيظ.
وينشد المثالية الصوفية في طباعه وأخلاقه.
وكنت دائما من يوصف حتى من قبلهم
بالأمانة والأخلاق السمحة وحسن العشرة وعمق التفكير.
قلت لهم : اليوم سأرحل عنكم.
فقد آن موعدي مع فراق الروح الأبدي.
وغدا ستزورون التاريخ كعادتكم.
كما فعلتم مع هارون وعلي.
عقوقكم فواتير تسلمتها لطمات على وجداني.
كوني مصاب بجذام الحق، لا يعطيكم الحق في إعدامي على مقاصلكم .
كوني لا أوافق على آثامكم ، لا يعني أني تافه، مزجور، مجلود، مقتول، مذبوح.
نحرتموني ولكنكم لم تحسنوا الذبح .
بصركم ارتد حسيرا كسيفا.
رقة الوحوش التي ترسمونها على وجوهكم
تجعلني امكث في عرين الألم .
وفي داخلي آهة وحسرة وصرح من التوتر ،
وصبر يحرق القلب.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ